أخبــاربلاد الشامنبض الساعة

غزة بلا نهاية واضحة.. انتقادات إسرائيلية تكشف مأزق الحرب

تتسع داخل إسرائيل التساؤلات بشأن جدوى العمليات العسكرية في قطاع غزة، في ظل فجوة متزايدة بين الأهداف التي تعلنها الحكومة والمهام التي تنفذها القوات على الأرض، وسط انتقادات عسكرية تشير إلى غياب مسار واضح لنزع سلاح حركة حماس أو إنهاء حكمها، وتحذّر من تحول الانتشار الإسرائيلي إلى مهمة أمنية طويلة الأمد من دون نقطة نهاية محددة.

وتتركز العمليات الإسرائيلية، وفق تقرير نشره موقع إسرائيلي، على حماية المواقع العسكرية، والبحث عن الأنفاق، وتدمير المباني، وإحباط التهديدات المباشرة. لكن هذه المهام، على أهميتها التكتيكية، لا تقدم وحدها إجابة عن كيفية تحقيق الهدف المعلن المتمثل في نزع سلاح حماس وإنهاء سيطرتها على القطاع.

ويطرح هذا الواقع سؤالاً أساسياً داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية: هل ما زالت العمليات تستهدف حسم الحرب، أم أنها تحولت عملياً إلى نمط من الانتشار الأمني المستمر، يقوم على احتواء التهديدات ومنع الحركة من إعادة بناء قدراتها، من دون خطة واضحة لإنهاء المهمة؟

أهداف معلنة وواقع ميداني مختلف
تواصل الحكومة الإسرائيلية والجيش التأكيد أن نزع سلاح حماس وتجريد قطاع غزة من السلاح من أهداف الحرب، لكن الانتقادات المتداولة داخل إسرائيل تشير إلى أن النشاط العسكري اليومي لا يعكس وجود خطة عملياتية واضحة للوصول إلى هذه النتيجة.

وفي شباط 2026، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير أن القوات فككت كتائب الخطوط الأمامية التابعة لحماس، مع التأكيد أن نزع السلاح الكامل من القطاع لا يزال هدفاً قائماً.

كما أشار زامير إلى استعداد الجيش للانتقال من الدفاع إلى الهجوم، واستمرار العمليات ضد البنية التحتية للحركة في المنطقة التي تُعرف إسرائيلياً باسم «الخط الأصفر».

غير أن تفكيك تشكيلات عسكرية لا يعني بالضرورة نزع سلاح التنظيم بأكمله أو إنهاء سيطرته، كما أن إلحاق خسائر كبيرة بقدراته لا يضمن منع إعادة بنائها. وتتمثل إحدى نقاط الانتقاد الأساسية في أن إعلان الأهداف العسكرية لا يعادل امتلاك خطة قابلة للتنفيذ لتحقيقها.

حماس تحتفظ بقدراتها
على الرغم من العمليات العسكرية المتواصلة، لا تزال حماس تحتفظ بقدرات مسلحة، وفق التقييم الوارد في التقرير، بينما تواصل إسرائيل الاحتفاظ بمناطق واسعة من قطاع غزة.

ويشير التقرير إلى استمرار الحركة في تجنيد عناصر وجمع الأموال وإعادة بناء بعض قدراتها، في حين لم يتحقق نزع سلاحها أو الانسحاب الإسرائيلي الكامل أو إطلاق مسار شامل لإعادة إعمار القطاع.

ويضيف أن حماس ما زالت تفرض سيطرتها على السكان وفي أجزاء من غزة، في وقت لم تتبلور فيه تسوية سياسية تنقل إدارة القطاع إلى جهة أخرى.

وفي ظل هذا الواقع، تواجه إسرائيل معضلة تتعلق بكيفية تحويل السيطرة الميدانية والضربات المتكررة إلى نتيجة استراتيجية مستدامة، بدلاً من استمرار المواجهة ضمن دائرة من العمليات المحدودة والرد على التهديدات.

خمس ألوية
بحسب التقرير، تتمحور مهام نحو خمسة ألوية إسرائيلية تعمل في القطاع حول حماية القوات والمواقع العسكرية، وتمشيط المناطق بحثاً عن الأنفاق، وتدمير المباني في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

أما الغارات الجوية وإطلاق النار، فيتركزان إلى حد كبير على إحباط التهديدات المباشرة واستهداف عناصر من حماس، ومنع الحركة من الاقتراب من القوات أو إعادة إنشاء بنى تحتية عسكرية.

وتستند هذه العمليات إلى اعتبارات أمنية وعسكرية، إذ تسعى القوات إلى منع الهجمات وتقليص قدرة الحركة على التحرك وإعادة بناء إمكاناتها. لكن الانتقاد المطروح داخل إسرائيل يتعلق بمدى قدرة هذا النمط من العمليات على تحقيق أهداف تتجاوز احتواء الخطر الآني.

فاستهداف مجموعة مسلحة لا يعني بالضرورة نزع سلاح التنظيم، وتدمير مبنى لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء حكمه، كما أن اكتشاف نفق لا يضمن منع إنشاء أنفاق أخرى.

ويشير التقرير إلى أن عناصر حماس تواصل البحث عن ثغرات في الانتشار الإسرائيلي، ما يجعل القوات أمام تحدٍ مستمر يتمثل في منع التهديدات المتجددة، من دون أن يتضح كيف ستقود هذه المهمة وحدها إلى إنهاء الحرب.

ورقة ضغط أم استنزاف طويل؟
قد تمنح السيطرة على مناطق من القطاع إسرائيل قدرة أكبر على مراقبة تحركات حماس والحد من حرية عملها، فضلاً عن توفير ورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية.

لكن استمرار هذا الانتشار يثير أسئلة بشأن مدته وكلفته، والمعايير التي ستحدد نجاحه، والظروف التي يمكن أن تقود إلى الانسحاب أو تغيير طبيعة العمليات.

وتشمل الكلفة استمرار استنزاف القوات النظامية والاحتياطية، إلى جانب الأعباء الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن إبقاء الجيش في حالة انتشار طويل الأمد.

ويشير التقرير إلى أن تقييم النجاح يختلف باختلاف الهدف: فإذا كانت المهمة الأساسية منع الهجمات، فيمكن قياس النتائج من خلال عدد التهديدات التي جرى إحباطها والقدرات التي تم تعطيلها. أما إذا كان الهدف نزع سلاح حماس وإنهاء حكمها، فإن ذلك يتطلب خطة تحدد المراحل اللازمة للوصول إلى هذه النتيجة، وكيفية التعامل مع استمرار الحركة في المقاومة أو رفضها التخلي عن سلاحها.

ويرى منتقدو النهج الحالي أن الخلط بين احتواء التهديد وتحقيق الحسم قد يسمح بتقديم العمليات الأمنية المتواصلة باعتبارها تقدماً نحو الأهداف الاستراتيجية، حتى عندما لا تكون الصلة بينهما واضحة.

تراجع التدريب يثير المخاوف
لا تقتصر الانتقادات على غياب المسار الاستراتيجي، بل تمتد إلى الجاهزية العسكرية في ظل استمرار انتشار الوحدات لفترات طويلة في مهام دفاعية وروتينية.

وبحسب التقرير، لا تجري الكتائب المنتشرة في غزة تدريبات منتظمة بالقدر المطلوب، باستثناء فترات محدودة تنظمها بنفسها أو تدريبات مكثفة عند تسلم خطوط انتشار جديدة، فيما يذهب جزء كبير من وقتها إلى حماية المواقع وتنفيذ المهام اليومية.

ويحتاج الجيش القادر على تنفيذ مناورات واسعة إلى تدريب مستمر على الهجوم والدفاع والقتال في المناطق المبنية، فضلاً عن التنسيق بين الوحدات وتشغيل الوسائل العسكرية وإدارة العمليات من غرف القيادة.

ولا يعني أداء المهام الدفاعية لفترات طويلة فقدان الجاهزية بالكامل، لكن الحفاظ عليها يتطلب تدريباً منتظماً. وقد يؤدي استمرار الروتين العملياتي من دون تدريبات كافية إلى صعوبة انتقال القوات سريعاً إلى قتال مكثف أو التعامل مع ظروف ميدانية مختلفة.

وفي شباط 2026، أعلن الجيش الإسرائيلي خطة تدريبية تضمنت مناورات على مستوى هيئة الأركان وتدريبات للقيادات وتمارين مرتبطة بمهام الأمن الروتيني، مع الإقرار بأن سنوات القتال على جبهات متعددة حدّت من الوقت المتاح للتدريب.

لكن التقرير يلفت إلى أن إعلان خطة عامة لا يضمن تنفيذها بالقدر نفسه في جميع الوحدات، خصوصاً القوات المنتشرة على الجبهات وكتائب الاحتياط. ونقل عن قادة عسكريين تحذيرات من أن تأجيل التدريبات يراكم أثراً سلبياً في الجاهزية والقدرات الأساسية.

ويزداد هذا التحدي تعقيداً عندما يواصل الجنود أداء مهام تنطوي على مخاطر عسكرية، من دون وضوح بشأن المدة التي سيستمر فيها هذا الوضع أو النتيجة التي يُفترض أن يحققها.

غياب خطة سياسية
تتمثل إحدى أبرز المشكلات، وفق التقرير، في غياب تصور واضح بشأن الظروف التي يمكن أن تنهي الانتشار الإسرائيلي الحالي.

فإذا لم تتخل حماس عن سلاحها، فهل ستواصل إسرائيل الاحتفاظ بمواقعها وضرب التهديدات المحدودة إلى أجل غير محدد؟ وما الشروط التي يمكن أن تسمح بانسحاب القوات؟ وهل توجد خطة سياسية لنقل إدارة القطاع إلى جهة أخرى؟ وماذا سيحدث إذا تعثرت المفاوضات بشأن نزع سلاح الحركة؟

ويشير التقرير إلى عدم عقد اجتماعات مخصصة في المجلس الوزاري الأمني المصغر أو مجلس الأمن القومي لصياغة استراتيجية شاملة لقطاع غزة، وفق ما أورده، مع الإشارة إلى أن غياب الوضوح لا يقتصر على هذه الجبهة.

وعلى المسار السياسي، لم تحقق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب، وفق التقرير، تقدماً كافياً لحسم القضايا الأساسية المتعلقة بسلاح حماس ومستقبل إدارة القطاع والوجود العسكري الإسرائيلي.

وبذلك، يستمر الانتشار العسكري من دون تسوية واضحة تحدد الجهة التي ستتولى إدارة غزة، أو آليات ضمان الأمن، أو المسار الذي يمكن أن يقود إلى الانسحاب.

بين الحرب المفتوحة والأمن الروتيني
لا توجد حدود زمنية أو عملياتية ثابتة تفصل دائماً بين الحرب والمهام الأمنية؛ فقد تكون الغارات المحدودة والدفاع عن المواقع جزءاً من حملة عسكرية أوسع. لكن السؤال الأساسي يبقى مرتبطاً بالهدف النهائي، ومدى إسهام العمليات اليومية في تحقيقه.

ويخلص التقرير إلى أن إسرائيل تستطيع مواصلة الاحتفاظ بخطوط انتشار واستهداف تهديدات موضعية لفترة طويلة، لكن استمرار النشاط العسكري لا يشكل بحد ذاته دليلاً على الاقتراب من الحسم.

فإذا كان الهدف هو نزع سلاح حماس وإنهاء حكمها، فإن ذلك يتطلب توضيحاً لكيفية انتقال العمليات الحالية إلى هذه النتيجة. أما إذا كان النهج الفعلي يقوم على منع التهديدات والحفاظ على السيطرة الميدانية واحتواء الحركة، فإن السؤال يصبح ما إذا كانت هذه المقاربة تبرر كلفتها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل.

وتتمثل الخلاصة التي يطرحها التقرير في اتساع الفجوة بين الأهداف التي يعلنها المستوى السياسي والمهام التي ينفذها الجنود في الميدان. فبعد سنوات من القتال، لا يتعلق السؤال بمجرد استمرار وجود الجيش الإسرائيلي في غزة، بل بمدى وضوح ما يسعى إلى تحقيقه، والآلية التي ستقوده إلى ذلك، والظروف التي يمكن أن تنهي مهمته.

وفي ظل غياب إجابات واضحة، يحذر التقرير من أن يتحول الانتشار العسكري إلى استنزاف طويل الأمد، تستمر خلاله العمليات من دون مسار محدد يربطها بالأهداف المعلنة للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى